Middle East Watch
La revue de presse alternative pour un Moyen Orient libre

juin 2016


حزب « الحرية والعدالة » المصري على السكة الاردوغانية

عودة « الاخوان المسلمين » الى الحضن الاميركي

par Raymond Atallah


يجمع المراقبون على انه لم يعد سراً ان ادارة الرئيس باراك اوباما في واشنطن تجري اتصالات ومفاوضات مع جماعة « الاخوان المسلمين » في مصر، وربما في غير مصر. هذه الاتصالات تجري على صعيد البيت الابيض نفسه، وعلى صعيد وزارة الخارجية، وعلى صعيد اجهزة الاستخبارات الوطنية. لكن هذا الموضوع ما زال مدار خلاف داخل الولايات المتحدة وداخل مصر، خصوصاً مع شباب « ثورة ٢٥ يناير » التي اطاحت نظام الرئيس حسني مبارك.

برزت ملامح هذا الخلاف في واشنطن خلال مناقشة لجنة الاستخبارت الوطنية في مجلس النواب قبل اربعة اشهر تقريباً، حيث جرت مشادة متوترة بين مدير اجهزة الاستخبارات الوطنية جايمس كلابر، وبين السيدة سو ميريك، النائب عن المقعد الجمهوري لولاية نورث كارولينا. وبرزت في القاهرة قبل اسبوعين، بين شباب الثورة وجماعة الاخوان حول الدعوة الى مظاهرة مليونية للمطالبة بتسريع محاسبة اركان النظام السابق واجراء الاصلاحات الموعودة.

في بداية الثورة الشبابية المصرية كان موقف جماعة « الاخوان المسلمين » غامضاً وملتبساً، وفي بعض الاحيان متردداً. ويأخذ بعض شباب الثورة على الجماعة مأخذين اساسيين : اولهما المشاركة في المفاوضات مع نائب الرئيس ومدير الاستخبارات اللواء عمر سليمان في السادس من شباط/ فبراير، وثانيهما محاولة السيطرة الايديولوجية على « ميدان التحرير » اثناء الثورة بفرض الشيخ يوسف القرضاوي عليهم، وهو مقيم في دولة قطر ويتبنى سياسات حكامها المثيرة للجدل، وربما للقلق، وقد وضعوا فضائية « الجزيرة » بتصرفه.

وعندما دعا شباب الثورة اخيراً الى مظاهرة مليونية يوم الجمعة في ٢٧ ايار/ مايو، رفضت جماعة الاخوان هذه الدعوة واتهمت شباب الثورة بالوقيعة بين الشعب والجيش، وألمحت الى استعدادها للتحرك ضد المتظاهرين. الموقف الاخواني السلبي هذا، دفع « الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان » في القاهرة الى اصدار بيان مضاد قالت فيه ان « الاخوان المسلمين » يقومون بالدور ذاته الذي اداه « الحزب الوطني » الذي قام عليه نظام مبارك من حيث العداء للحريات، والتحريض ضد المطالبين بالاصلاح، وتحريض الجيش ضد المتظاهرين. وقال بيان الشبكة ان هذا يثير الشكوك حول حقيقة موقف جماعة « الاخوان المسلمين » من الحريات المدنية والسياسية.

ومن الطبيعي ان تقوم الادارة الاميركية في خضم الثورات وحالات الفوضى التي تعّم العالم العربي بدرس وتقويم القوى السياسية المؤهلة لقيادة المرحلة المقبلة في المنطقة العربية. الرأي الذي قالت به اجهزة الاستخبارات قوامه ان « الاخوان المسلمين » يشكلون المعارضة الجدية الوحيدة والمنظمة في معظم البلدان العربية. لكن اجهزة الاستخبارات تعترف بأن هناك اسئلة عديدة لم تتم الاجابة عنها بعد، واهمها موضوعان : الاول هو الموقف الواضح والنهائي من اسرائيل، والموقف الواضح والنهائي من الحركات العنفية التي ما زالت تحظى بمناخ حاضن داخل جماعة « الاخوان المسلمين » .

وفي المناقشة التي دارت في لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس النواب اثارت السيدة سو ميريك (النائب الجمهوري) الموضوع من زاوية طرحه في اطار الارهاب، قائلة ان خطورة « الاخوان المسلمين » ليست في دعمهم للارهاب وتشجيعه، بل في سعيهم للسيطرة على الحكم والدولة.

ورد مدير الاستخبارات الوطنية جايمس كلابر على هذا المنحى بالقول ان جماعة « الاخوان المسلمين » في مصر هي « على العموم حركة علمانية »، مؤكداً ان اهتماماتهم اجتماعية ويعملون على « تحسين اداء النظام السياسي ». وقال ان الاخوان في مصر يديرون ٢٩ مستشفى، وانهم يملأون فراغاً ناشئاً من غياب الخدمات الحكومية. وفي رأيه ان هذا لا يؤشر على ان هدفهم من ذلك تشجيع العنف وقلب الدولة.

ويقال في واشنطن ان مدير المباحث الفيديرالية (أف. بي. أي)، روبرت موللر، له رأي مختلف، لكنه امتنع عن الادلاء بشهادته اثناء المناقشة.

ليس التعامل الاميركي مع جماعة « الاخوان المسلمين » جديداً، بل هو يعود الى الخمسينات من القرن الماضي، ويمكن تقسيم هذا التعامل الى ثلاث محطات رئيسية : المحطة الابتدائية في ادارة الرئيس دوايت ايزنهاور وعنوانها « مكافحة استقطاب الاسلاميين »، والمحطة الثانية في الولاية الثانية للرئيس جورج دبليو بوش الابن تحت عنوان « الشيوعيون المعتدلون في مواجهة الاسلاميين المتطرفين »، والمحطة الحالية في ادارة الرئيس باراك اوباما تحت عنوان « سد الفراغ وادارة التحول الديموقراطي ».

هناك اعتراض من جهات متعددة في الادارات الاميركية المتعاقبة على هذا المنحى المتواصل. وخلاصة ما يقول به المعترضون انه في كل مرة تقوم واشنطن بمحاولة للافادة من « الاخوان المسلمين » لتحقيق اهداف اميركية، كان ذلك لمصلحة « الاخوان المسلمين » اكثر مما كان لمصلحة اميركا.

لكن ادارة الجنرال ايزنهاور في الخمسينات كانت ترى اهمية الدين كسلاح في مواجهة الشيوعية كحالة احادية. ومن هذا المنطلق وقع الخيار على « الاخوان المسلمين » لقيادة هذا التوجه، وتمت على هذا الاساس دعوة القائد الاخواني المعروف سعيد رمضان الى واشنطن تحت غطاء اكاديمي. والملفت في الامر ان وكالة الاستخبارات المركزية (سي.
أي. إي) يومها كانت ضد هذا التوجه الذي كان يعول عليه البيت الابيض فوصفت سعيد رمضان في احد تقاريرها مرة بأنه « فالانج »، ومرة بأنه « فاشستي » يجمع الشباب المسلم للوصول الى السلطة.

لكن الاستخبارات المركزية بعد وصول رمضان الى واشنطن غيرت رأيها، واقامت معه علاقة عمل لعدة سنوات. ومن ابرز ثمار تلك العلاقة مساعدة الاستخبارات المركزية له
من اجل السيطرة على جامع ميونيخ في المانيا الغربية، فأصبحت المانيا منذ ذلك الوقت ملاذ جماعات « الاخوان المسلمين » الناشطين خارج بلدانهم.

ثم بدأ تفعيل المحطة الثانية في العام ٢٠٠٥، في بداية الولاية الثانية للرئيس جورج دبليو بوش، في محاولة لاحتواء الحركات الاسلامية العنفية والجهادية. وكانت المبادرة في التحرك هذه المرة من وزارة الخارجية. ولهذه الغاية نظمت الخارجية الاميركية لقاءً في العاصمة البلجيكية بروكسل (عاصمة حلف شمال الاطلسي، وعاصمة الاتحاد الاوروبي)، تحت عنوان « جمع الاسلاميين الاوروبيين مع الاسلاميين الاميركيين ». وقد تم هذا اللقاء في عام ٢٠٠٦ برعاية وزيرة الخارجية آنذاك كوندوليزا رايس، بعد صعود نجم « حزب الله » اللبناني الشيعي في اعقاب الحرب الاسرائيلية على لبنان. وكانت غايته تطمين الدول الاوروبية المتخوفة من المد الاسلامي المتطرف داخل اراضيها. ومنذ ذلك الوقت عقدت كوندوليزا رايس عدة اجتماعات مع « الاخوان المسلمين »، لعل ابرزها واهمها الاجتماع الذي جرى في واشنطن في شهر ايار/ مايو ٢٠٠٨ حيث تم الاتفاق مع مستشار الامن القومي للرئيس بوش الابن يومئذ ستيفن هادلي، وبتفويض كامل من الرئيس بوش، على برنامج عمل متواصل للمستقبل. وقد ايدت الاستخبارات المركزية هذا التوجه لادارة بوش الابن، تحت حجة الاعتراف بالقوة الحركية لجماعة « الاخوان المسلمين » وبمهاراتهم الاعلامية.

لعل اخطر مرحلة في التعامل الاميركي الاخواني هي المرحلة الراهنة في السنة الاخيرة من ولاية الرئيس اوباما الاولى. وقال ديبلوماسي عربي في واشنطن لـ« الديبلوماسي » ان التعاون الاميركي الراهن اخطر من التعاون في المراحل السابقة، لأنه في السابق كان تعاوناً تكتيكياً لاغراض محددة وقصيرة الاجل. اما اليوم فان ليس لواشنطن في خضم الفوضى العارمة التي تضرب العالم العربي خيار آخر، لأنه ليست على المسرح العربي قوة منظمة غير « الاخوان المسلمين ». هو الآن، إذن، خيار استراتيجي.

ومع ان البيت الابيض لا يقر الآن بالاتصال المباشر، إلا ان الرئيس اوباما حسب مصادر عليمة وعديدة يعتقد بأنه في الامكان التعامل مع « الاخوان المسلمين » في المرحلة المقبلة. بل ان هناك من يقول بأن مستشارة الرئيس اوباما للشؤون الاسلامية السيدة داليا مجاهد لها ميول اخوانية (هي من مواليد حي السيدة زينب في القاهرة عام ١٩٧٤)، ويبدو ان اقل اطراف الادارة الحالية حماساً لهذا التوجه هي وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التي تلوذ بالصمت حيال هذه المسألة. وهناك سببان، كما يقال، لتلكؤ هيلاري كلينتون : هناك ضغط نسائي داخل الولايات المتحدة بسبب موقف الاسلاميين من المرأة، وضغط اوروبي متحفظ على الاندفاع الاميركي في هذا الاتجاه الذي اعتبره بعض الاوروبيين « لعب بالنار ». لكن اجهزة الاستخبارات استمرت في الدفع بهذا الاتجاه.

ومن الملفت، كما تقول دوائر واشنطن، ان ادارة اوباما تستعين اليوم بالكوادر التي كانت تقود الحراك باتجاه « الاخوان المسلمين » في ادارة الرئيس جورج دبليو بوش. وتطرح الآن علامات استفهام عديدة حول سياسة الرئيس اوباما باتجاه « الاخوان المسلمين ». وقد ازدادت التساؤلات بعد انتشار اخبار في اوساط الجمعيات الحقوقية والمدنية والحركات الديموقراطية في مصر مفادها ان الادارة الاميركية اوقفت تمويلها لهذه الجمعيات والحركات وحولت الاموال الى الحركات الاسلامية.

فهناك قول قاطع في اوساط بعض شباب ثورة « ميدان التحرير » بأن « الاخوان المسلمين » يتحايلون حول التزامهم الديموقراطي. لكن الجهات المؤيدة للتوجه الاميركي بالتعامل مع « الاخوان المسلمين » تقدم ثلاثة ادلة تبرر الثقة بصدق التوجه الاخواني الجديد :

الدليل الاول، هو ان الاخوان اثبتوا انهم حركة سلمية معتدلة وملتزمة بالعمل في اطار نظام ديموقراطي.

الدليل الثاني، هو تحولهم الى حزب سياسي وطني له برنامج معلن (حزب الحرية والعدالة) على غرار التحول الذي جرى في تركيا من الكمالية الى الاسلامية الديموقراطية المعتدلة التي تؤمن بتداول السلطة عن طريق صناديق الاقتراع (رجب طيب اردوغان).

الدليل الثالث، هو ان العمل الديموقراطي لـ« الاخوان المسلمين » ليس مقتصراً على الساحة الوطنية، بل يجري داخل التنظيم الحزبي نفسه، حيث يوجد تياران متحاوران في مشادة مستمرة، التيار البراغماتي المرن المدفوع باعتبارات سياسية، والتيار المحافظ الذي يغلب عليه الطابع الديني والمبدئي.

ولعل الاعتراض الاهم على التوجه الاميركي هو القائل أنه اذا كانت ادارة اوباما تعتقد بأن « الاخوان المسلمين » قد تحولوا الى حركة اصلاحية ذات توجهات ديموقراطية وايديولوجية مدنية، او شبه علمانية (كما اشار جايمس كلابر مدير الاستخبارات الوطنية امام لجنة الاستخبارات في مجلس النواب)، فان مقياس ذلك هو الوقوف على آراء
الفئات المدنية الاخرى، ومنها الاقباط، التي يبدو انها غير موافقة على هذا التوصيف الاميركي.

واذا لم تؤخذ في الاعتبار مواقف الاطراف الاخرى من المسألة، كما يقول هؤلاء، فان توجه الادارة الاميركية سوف يكون محفوفاً بالمخاطر، بل ربما كان له مفعول عكسي ليس على اميركا الراهنة فقط بل على اوروبا واميركا في المستقبل.

ومن غير المستبعد ان تكون هذه القضية من القضايا المقررة للنتائج في الانتخابات الرئاسية الاميركية للعام المقبل.

P.-S.

الديبلوماسي - العدد رقم ١٣٤ حزيران / يونيو ٢٠١١

RSS 2.0 [?]

Site réalisé avec SPIP
Squelettes GPL Lebanon 1.9.0